كتب السيد الركابي قائلا كلمة حق يراد بها الحقيقة
1 ـ التحقق من مسارات الاتجاه العالمي والتداخلات والمشاريع الكونيه الامبراطوريه من جهه وتلك الصاعده بوجهها بما يخص موضوع "بناء الامم " او "ازالة الامم" ، فهل راى القادة الاكراد العراقيون بان هذه هي اللحظة الانسب لتحقيق قيام الدولة والامة الكردية المستقلة الحرة ؟ وهل حلت المعادلة المناقضة لمجريات التاريخ والمصير الكردي تباعا ؟ لقد عانى الاكراد في القرن الماضي من ظاهرة تناقض ماساوية فرضت عليهم ان يقبلوا فقدان حق تقرير المصير لصالح تشكلات ودول نشات وقتها وكانت تتضمن "تقرير" مصائر ، ترافقت مع موجة متصاعدة من نهوض حركات التحرر العالمي ، لكن الذي ثبت في التطبيق ان الامبراطورية البريطانيه كانت معنية بان تجري مفاضلة ، بين "بغداد كعاصمة للعراق ككل " ، وعراق من دون كردستان ، ولم تستغرق الموازنة في العقل الانكليزي طويلا فالخيار كان واضحا ، وهكذا انتهى عام 1925 حلم الاكراد العراقيين ، واصبحوا جزءا من الكيان العراقي .
وقتها كان الاستعمار يميل الى "بناء الامم" ، فتلك كانت افضل السبل لتامين الهيمنه على البلدان عبر رقبة موحده يقودها اشخاص من أهل البلاد لايتوانون عن خدمة مصالح الاستعمار، ويؤمنون استحلاب مركزي على اوسع رقعة ممكنه ، للموارد (وطني ) ، اليوم تميل الخطط الامبراطورية للسيطرة ، الى تهديم الامم وتفتيتها ، فالدول التي اقيمت في الماضي و"تحررت" ، ورسمت ملامح وكيانات وطنيه ، واقامت بنى وتشيكلات قوميه وهويات ، غدت الان هدفا لابد من تدميره ، والا فان مسالة الهيمنه لن تستقر، والسيطرة الامريكيه لن تصبح مضمونه .
2 ـ تناقضات التاريخ والمصيروهل هي مدخل يورث العناد الارعن ، او الميل الى اقتناص الفرص من دون تدبير ولارويه ؟ ان كثرة من الناس يفضلون الصاق الصفات السيئة في هذا المجال ، على سلوك قادة الحزبين الكرديين الكبيرين في العراق . فمنذ عام 1991 والشمال العراقي الكردي يحظى بافضلية الحمايه الامريكيه ، وانتزع بقوة تلك الحماية من يد "السلطة المركزيه " . وفي ذلك الوقت كان الحديث عن " النضال الوطني العراقي ضد الدكتاتوريه " قد وفر الغطاء اللازم ل"المحمية الكرديه " وهيأ شروطا لزرع البذرة السامه للكيان الكردي على حساب العراق ووحدته . ولقد انغمس قادة الحزبين الكرديين في "التحالف " المعارض المتحالف بدوره مع قوى الغزو والاحتلال ، وكانوا اهم ركائزه ، وظلوا حتى اليوم حاضرين ضمن جبهة "العملية السياسيه الامريكيه " وفي الحكم المدعوم من الاحتلال ، ظاهريا ، وعاملين دؤوبين على ترسيخ دعائم الكيان الكردي فعليا . غير ان الامر وصل اخيرا الى النقطة الحرجه . فلا "العملية السياسيه" قادرة على الاستمرار ، او على ان تكون مشروعا لدولة مستقرة مهما كان شكلها او درجة استقرارها ، ولا الامريكيون يتحرجون من اعلان نواياهم واصدار القرارات التي تقول ب"خيار تقسيم العراق " ، وعند منعطف من هذا القبيل ، لابد ان يسأل بالحاح عن ثمن التناقض الجديد ، او التناقض الدائم بين مصير الاكراد ومصير من هم حولهم والمشتركين واياهم في التاريخ والحياة من الامم وشعوب المنطقة .
"دولة كردية" على حساب العراق ، ووجوده ، الا يطرح مثل هذا المآل ياترى تساؤلات حول ترابط الاهداف والوسائل ، وهل يصح في القضايا العادلة بالنسبة لاصحابها ان تكون مدمرة لغيرها ، وهل "الحركة القوميه الكرديه " والحالة هذه واليوم بالذات ، يجوز ان تدرج في خانة "القضايا العادلة " التي تستحق المسانده والتاييد ؟ مع انها بلا مراء قضية شعب مضطهد ، ومطالب بحق مبدأي ، فيالمكر التاريخ ، ويالشساعة مضانه ، وخضرة اشجاره الوارفه مقابل رمادية الوان النظريات والتصورات والتحليلات ، لابل ومواقع ومكانة بعض القوى والشعوب والقيادات . بما قد يجعل منها ـ وهي ترفع راية النضال من اجل حق تقرير المصير ـ "قيادات شر " مكروهة من محيطها ، مخربة ومتواطئة مع الاجنبي الغازي على حساب جيرانها والمتداخلين معها في التاريخ والمصير ، بينما هي لاتملك بذاتها اي تبرير يجعلها تصر على مثل هذا الموقف ، او تعاند مقررة خيار معاداة المحيط كله . فالاكراد ليسوا صهاينه وتكرار "اسرائيل " يشترط وجود "مادة اسرائيليه " صهيونيه ، مع كل آليات وسياقات ظهور ونمو وخلفية الحركة الصهيونيه .
3 ـ هنا تشخص لنا مسالة نظرية راهنه وملحة ، قد لايكون قادة الحزبين الكرديين فقط من يتعثراو يتلعثم تحت سطوة الغازها ومقتضياتها النظرية والسياسيه شديدة التعقيد والصعوبه ، فقادة الحزبين الكرديين هم من نتاج وتكوين فكري وسياسي بال وغريب عن اللحظة الراهنه ، وهذا ليس بعذر لهم ، بقدر ماهو سبب من الاسباب التي يمكن ان تفضي بهم الى الخطا القاتل ، والى نهاية كارثية ، فالشعوب لاتصل الى تقرير المصير على حساب شعوب اخرى . ومن المستحيل افتراض معادلة ـ غير المعادلة الاسرائليه الكارثيه والمغلقة ـ تدعى فيها جماعة ما ، انها يمكن ان تتحرر بمنطق الغزو والاحتلال والهيمنه ، وتحت جنح خطط ومشاريع السيطرة الامبرياليه ورعايتها ، "الشعوب" التي تقحمها قوى او قيادات من داخلها بحيث تجعلها جزء من مشروع الهيمنه العالمية على الشعوب والامم الاخرى . لايمكن ان تكون عضوا ضمن نادي الطامحين الى تقرير المصير بمعنى التحررالقومي وتحقيق الذات الوطنيه والقومية