خبر وتعليق : ضربتا معلم لمقتدى الصدر لا تمنعان قول أكثر من "لكن" ! علاء اللامي
ضربتا معلم صدرتا في يوم واحد من السيد مقتدى الصدر تستحقان وقفة تفسيرية رغم ما قد تثيره هذه الوقفة من امتعاض ومغص سياسي حاد لدى محترفي الشتائم في غرف البالتوك "الوطنية للقشر " والمواقع التي تقطر "وطنية " من فوق ومن تحت ، ومن يمين ومن يسار : ضربة المعلم الأولى - والتي مرت مرور الكرام كما يبدو - فلم ينتبه لدلالاتها الكثيرون هي اجتماع السيد مقتدى الصدر بمحافظي عدة محافظات في وسط وجنوب العراق إضافة إلى نائب محافظة بغداد . دلالات وزبدة الخبر ليس في اجتماع الصدر بهؤلاء المحافظين تحديدا و الذين أراد البعض جعل محافظاتهم جزء من مشروعه الفيدرالي الكسيح وذي الروائح الانعزالية التقسيمية البينة ، بل هو في تركيز المجتمعين على الجوهر السياسي المهم الوارد في المذكرة التي خَلُصَ إليها المجتمعون أي على موضوع الدعوة إلى استقلال العراق .. نعم العراق كله ، وليس " جنوبه " أو " شماله " او "بين بينه " .
غير أن هذه الضربة وهي ضربة معلم بحق ينقصها شيء مهم كان سيعطيها مذاقا وطنيا أقوى ، ولذعة عراقية أشد : فلو كان السيد الصدر قد دعا أحد محافظي أو نواب محافظي الغربية أو الشمال " كردستان العراق " لكان الاجتماع قد تحول من مناورة ذكية ذات سقف سياسي محدد بوقته واتجاهاته إلى مفتاح كبير لعملية سياسية كبرى قد تخلط وتخربط أوراق المحتلين وأصدقائهم بشكل لا سابق له ولا رجعة عنه .. هل كان الاجتماع إذن بهذا السقف ،و تلك الحدود تدريبا على آخر مبتغى قد لا يتأخر كثيرا ؟ ربما .ولكن علينا أن لا ننسى هشاشة الوضع السياسي العام وسيولته العجيبة والتي قد تطيح في دقائق بأكثر المناورات والخطط الاستراتيجية دقة وتعقيدا وإمكانيات .
وقد يقول قائل : وهل أقدم طرف ما – ونحن هنا نتكلم عن خندق المناهضين للاحتلال - في هذه الجهة أو تلك على إشراك المحافظات الجنوبية أو الوسطى في أية فعالية أو عملية سياسية مما كانت رمزية ؟ مهما يكن من أمر فانعدام المراد الطيب في مظنة أو جهة ما لا يوجب التخلي عنه في جميع الجهات وإذا قصَّرت اليد اليمني في شيء فلا شيء يوجب قطع اليسرى.
الضربة الثانية وهي أقوى من سابقتها هي الرسالة الحادة التي كتبها السيد الصدر ردا على تساؤلات أحد إخوانه من التيار حول موقفه من المفاوضات المهزلة والمذلة والجارحة لمشاعر ووطنية جميع العراقيين الشرفاء و التي أجريت بين السفير الأمريكي والإيراني في مكتب حاكم بغداد الدمية نوري "غير السعيد " المالكي .. هذه الرسالة على ما تثيره من ملاحظات نقدية شكلية تتعلق بلغتها وأسلوبها تبقى أقوى صرخة سياسية سمعت حتى الآن بوجه إيران ، وأطماع إيران ، واستهتار إيران بوطنية العراقيين ووطن العراقيين عموما والعراقيين العرب الشيعة خصوصا .
خصوصا وان هؤلاء " العرب الشيعة " يريد البعض في حزب آل الحكيم مثلا جعلهم مجرد مصفقين أو لطامة في إقليم "اتباع آل البيت " في خطة خبيثة لمنعهم من حكم العراق كل العراق بوصفهم بناة هذا البلد التاريخيين و أصحاب الغلبة السكانية والمجتمعية فيه ، أو مجرد "قواعد وجماهير مناضلة " مهمتها التصفيق أيضا عكس اتجاه عقارب الساعة لزعماء أحزاب " الممثل الشرعي والوحيد " قبل أن ينجح هؤلاء الزعماء " الأشاوس " في حسم موضوع الممثل الشرعي والوحيد لحزبهم ذاته وهل هو يونس الأحمد أم عزة إبراهيم الدوري .. ؟
وبالمناسبة نتساءل : ترى ألا يعتبر هذا الشعار " شعار : نحن الممثل الشرعي والوحيد " ومن الناحية النفسية على أقل تقدير ، هو الخميرة الأكثر فاعلية للحرب الأهلية ؟ أليس في هذا الشعار تحديدا تكمن كل غزائر ونوايا الطامحين إلى إعادة دكتاتورية المخابرات الصدامية ، مهما طالت لحى المنادين بها وقصرت دشايشهم ؟
صرخة مقتدى الصدر بوجه ملالي إيران قد يعتبرها البعض الأقوى لأنها تأتي " من حليف واعد ومهم ومحسوب حقا أو باطلا على إيران " ولأنها جاءت في وقت اقتربت إيران رغم أنف بوش الأحمق من تحقيق مطامحها القومية الأنانية في العراق الراهن والمدمي بجرائم المحتلين والتكفيريين على السواء ، وفي وقت استسلم واستقال الكثيرون ومنهم عرب الأنظمة العربية لواقع الحال المطبوع بالزخم الإيراني المتمادي ..
الواضح - ومن وضوحه إنما يكتسب قوته السياسية والمجتمعية والتاريخية – في كلام الصدر قد لا يعني لدى البعض أكثر من مناكفة سياسية للصديق الإيراني . أو قد يحسبه آخرون مجرد مستوى عال من التذمر الذي تثيره تسلكات حليف موثوق، ولكن حين ندقق في ما قاله الصدر سنرى إنه أخطر وأهم من ذلك بكثير : إنه كلام هجومي ومحدد يخرج من حيز العتاب أو المناكفة الى ميدان حرق الأوراق والتصدي المقاوم الشرس لمن انكشفت أوراقه وأطماعه مع إنها لم تكن يوميا مخفية تماما :
فإيران متهمة من قبل الصدر بالكثير ومن هذا الكثير :
- نسيان وتناسي الحكم الإيراني لمطالب العراقيين الاستقلالية والمتركزة و المتمحورة حول الاستقلال وانسحاب المحتلين الأجانب .
- السياسات السطحية لهذا الحكم والقبول بالانتداب على العراق .
ملاحظة مهمة من الواجب تسجيلها وهي المتعلقة بصمت جميع الأطراف ،بما فيها تلك التي تصف نفسها في صف مناهضة الاحتلال والأطماع الإيرانية وعدم إقدامها على التعليق خيرا أو شرا ، باردا أو ساخنا على هذا الموقف السياسي القوي للسيد الصدر ، وكأن بعض هؤلاء سكتوا ولسان حالهم يقول : بضاعتنا يتاجر بها خصمنا !
وعلى أية حال فالفرق واضح بين من يشتم غالبية العراقيين ويصفهم بأنهم " عجم وصفويون " كما اعتاد أن يفعل فطاحل التلفزيونات من أمثال محمد الدايني ، وبين من يتصدى بالحجة والمنطق لأطماع إيران في العراق كما يفعل الصدر .. هذا الإطراء كله لا يمنع ولا يؤخر إطلاق أكثر من تحفظ على ما ورد في رسالة الصدر و أيضا وقبل ذلك على تردده أو بطئه حتى الآن في القطع مع حثالات القتلة من أمثال أبو درع وغيره في مليشيا جيش المهدي ..
ومما يثر الاعتراض القوي ومن المنظور الوطني الذي ينبغي أن لا يجاري ولا يماري ورود بعض العبارات التي تفسر تفسيرات طائفية واضحة من قبيل " عاصمة المعصومين عليهم سلام الله " أو اعتبار العراق ، هو " دولة الإسلام " إضافة طبعا إلى أن السيد الصدر قبل هذه الرسالة بأيام كان قد كرر استعمال صفة " النواصب " ذات الجذور والميول المعينة والتي تثير حتما لدى العراقيين من أهل السنة ما تثيره لفظة " الرافضة والروافض " لدى إخوانهم الشيعة وخصوصا في زماننا العراقي الجاري كدماء الأبرياء من أبناء وبنات العراق ..وهنا نقول وبوضوح من لا يماري ولا يداهن :
عبارات كهذه قد تصدر من قائد مليشيا طائفية من حجم صغير يمتهن تهريب النفط والمخدرات أو من زعيم جماعية دموية تكفيرية مصاب بالسيكوباتي الطائفي فلا يجيد غير الذبح والسلخ والحرق والتهديم ولكنها قطعا كلمات ولغة لا تليق بقائد وطني عراقي كبير من آل الصدر .
أما وصف العراق بأنه " دولة الإسلام " فقد يكون حمال أوجه : فإن أريد بالعبارة عراق الماضي الإسلامي الزاهر فهي بهذا المعنى مقبولة ولا اعتراض عليها ،ولكن من يميل يا ترى في زماننا الى هذا التفسير ! أما إذا أريد بها عراق واقع الحال فهو أبعد ما يكون عن الصحة ، أما إذا أراد بها القائل أن يكون ندا لأنداد أو أن يضع رأسه برأس دولة أبي عمر البغدادي ورجالها من ذباحي النساء في ديالى فيا لبؤس المسعى و يا لخيبة الرجاء ..
صرخة الصدر هذه ضد إيران الملالي وضد الاحتلال الهمجي ينبغي أن لا تذهب هدرا أو أن تتحول الى صدى في وديان ودهاليز الحسابات السياسية الوقتية والزائلة وعلى المخلصين في خندق مناهضة ومقاومة الاحتلال وفي مقدمتهم السيد مقتدى ذاته تقع مسؤولية تحويلها الى عنوان مضيء من عناوين برنامج التحرر الوطني العراقي .. فالعراق يريد قائدا على قده ، قائدا عراقيا لا زعيما مليشياويا شيعيا أو سنيا ..