ربحية النفط الجزء الثاني
بقلم :فؤاد قاسم الامير
خامسا: الحوافز Bonuses : على العموم تدفع الشركات حوافز الى الحكومات، وهي بثلاث انواع. حافز توقيع العقد، وحافز بدء الانتاج، وحافز اكتشاف النفط (وهذا الاخير ليس شائعا جدا). ان الحوافز ووجودها، مسألة يحددها العقد. اذ ان هناك عقود بدون احد الحوافز او كلها.
ان مبالغ الحوافز في عقود دول الشرق الاوسط هي اعلى من معدلاتها من الحوافز في المناطق الاخرى من العالم. تختلف الحوافز باختلاف صعوبة العمل ومواقعه، اذ ان الحوافز للعقود البرية هي اكثر منها لحوافز العقود البحرية. في كل الاحوال فان مبالغ الحوافز ليست بعالية مقارنة بالارقام العالية للمبالغ التي تتعامل بها العقود النفطية، فهي في احسن الاحوال لاتتجاوز عشرات الملايين من الدولارات.
ان حوافز توقيع العقد يدفع في البداية وعند توقيع العقد وبدون معرفة اي شيئ عن مستقبل الانتاج. اما حافز بدء الانتاج التجاري فهو اعتياديا يتغير مع مستوى محدد بالعقد.
مثلا في احد العقود يقول يدفع (2) مليون دولار عندما يصل الانتاج الى (20) الف برميل/ اليوم و (2) مليون اخرى عندما يصل الانتاج (40) الف برميل/ اليوم، وهكذا. وقد تتضمن حوافز الانتاج دفع مبالغ عندما يصل الانتاج الكلي الى مستويات محددة بالعقود. اما حافز اكتشاف النفط، فالمقصود به هو الاكتشاف التجاري للنفط ويدفع بعد موافقة الحكومة على خطة الانتاج.
من الملاحظ ان حوافز عقد سخالين (2)، والذي كان حقلاً شبه مكتشف عندما تم التوقيع عليه كعقود مشاركة، واعتبر التوقيع في وقتها تنازل كبير من الحكومة الروسية في زمن رئاسة يلتسين، وتحاول الحكومة الحالية استعمال محتلف الاساليب للتخلص من عقد المشاركة هذا. في هذا العقد كان حافز توقيع العقد (50) مليون دولار. واضيف له (160) مليون دولار، لقاء ماانفقته الحكومة السوفياتية على التنقيب، مضافا له (100) مليون دولار لصندوق تطوير سخالين. وهنا ارقام الحوافز عالية، لان توقيع العقد كان غير اعتياديا، فالمفروض هكذا حقول مكتشفة ومحددة سابقا (ولو جزئيا) لاتتضمن عنصر المجازفة، وليست مشمولة بعقود المشاركة.
سادسا: الضرائب
اعتياديا، في هذه العقود، تأخذ الحكومة ضريبة دخل على حصة المقاول من نفط الربح. اي عمليا فان ارباح المقاول (وهي نفط الربح) معرض للضريبة. ان هذه الضريبة تتفاوت من عقد الى آخر وهي تتراوح بين صفر الى 60% من قيمة نفط الربح المخصصة للمقاول.
نلاحظ ان الضريبة تقريبا ثابتة، وهي امر متعلق بسياسات الدولة بالضريبة، اذ اعتياديا فان قوانين الضريبة في الدولة لاتتغير كثيراً، واذا حدثت تغيرات فتكون بسيطة. وهنا ايضا الامر يعتمد على العقد، اذ قد يجد المقاول ان من صالحه اعتماد الضرائب التي تفرضها الدولة، اذا كانت هذه الضرائب قليلة. ولكنه يحاول دائما ان يضع لنفسه خط الرجعة في حالة زيادة الضرائب، ولذا قد تحدد النسبة في العقد او قد ترتبط بالمعدل الداخلي للمردود.
من الملاحظ ان في حالة وجود الحكومة كشريك في الشركة المقاولة (من خلال شركة النقط الوطنية)، فان تصفية الضرائب تترك الى شركة النفط الوطنية لانها اقدر على التفاهم مع الحكومة.
تتضمن بعض العقود تجميدا للضرائب للفترة الاولى، حيث تسمى "عطلة الضرائب
Tax Holiday" . مثلا للخمس سنوات الاولى من العقد، وذلك لزيادة تحفيز المستثمر، وخصوصا في المناطق الصعبة او المكلفة. يكون كلا الطرفين حذراً في صياغة هذه الفقرة من العقد. فمثلا اذا كان العقد يجمد الضرائب للسنوات الخمسة الاولى من التوقيع، فهنا لايستفاد المقاول شيئاً او الاستفادة قليلة، اذ في هذه السنوات بحث وتنقيب واكمال منشآت التطوير، فهي ستكون حافزاً للاسراع بالعمل ولكن استفادة المقاول محدودة. واذا كان التجميد (5) سنوات من بدء الانتاج، فسيحاول المقاول بشتى الطرق ان ينتج اكثر مايمكن من الحقل في هذه الفترة ليستفاد من الاعفاء الضريبي، اوقد يكون ذلك على حساب الطرق الفنية الصحيحة للانتاج.
نرى ان المقاول ، في بعض العقود، يدفع رسوم تصدير واستيراد لمعداته. بالواقع لاتوجد مثل هذه الحالة في الكثير من العقود وخصوصا فيما يتعلق برسم التصدير اذ ان المشروع كله سيؤول الى الحكومة في نهاية العقد، كما ان هذه المبالغ زهيدة، وتوضع هذه الفقرة في العقد فقط لكي ينسجم العقد مع قوانين وتعليمات الدولة.
سابعا: الشروط العقدية الثابتة والمتحركة Fixed and Sliding Scales :
لقد تطورت بنود عقود المشاركة لتكون في نهاية التسعينيات متغيرة/ متحركة في الغالبية العظمى منها، وان الحصص النهائية لكل الفقرات المالية مرتبطة ببعضها، ومتغيرة وفق معايير توضع في العقود. ولقد تطورت هذه البنود في صالح الحكومة في هذا القرن، وخصوصا بعد زيادة الاسعار، ولاتزال تتطور تحت ضغط الحكومات لتكون مرتبطة في المحصلة النهائية في المعدل الداخلي للمردود IRR وفي المثالين ادناه، يقسم نفط الربح وفق معايير هي بالعموم تعطي الحكومة عوائد اكثر كلما ازدادت ربحية المشروع سواء بالاعتماد على الانتاج اليومي للحقل، او على مايسمى الـ R Factor ، (عامل الربحية)، أي على نسبة العوائد/ النفقات.
ومثال الحالة الاولى في احد العقود الاندونيسية
حصة المقاول من نفط الربح
حصة الحكومة من نفط الربح
الانتاج
الف برميل/اليوم
على عامل الربحية R Factor = النفقــــــات
حصة المقاول من نفط الربح
حصة الحكومة من نفط الربح
مانلاحظه ان عامل الربحية R Factor هو في احسن احواله (3.5)، وهو رقم قليل جدا بالنسبة للعراق، كما وان الاسعار كانت منخفضة عند توقيع العقود (معدلات 10-20 دولار/ البرميل)، والآن يصل هذا الرقم اضعاف الارقام المذكورة. ولو اخذنا نفط العراق حيث كلف الانتاج الحالية لاتتجاوز دولار/ البرميل، ويتوقع ان لاتزداد عن هذا الرقم في المستقبل، (علما هناك دراسات صدرت قبل ايام تتوقع ان يكون المعدل العام للكلفة للحقول الجديدة بحدود 1-2 دولار/البرميل). حتى لو افترضنا كلفة (2) دولار/البرميل، ويباع بـ (60) دولارللبرميل، فان عامل الربحية R Factor سيكون حوالي (30)، وبالواقع فانه قد يصل الى (60) لو افترضنا كلفة الانتاج دولار واحد/البرميل. لهذا فان حصة المقاول من نفط الربح يجب ان لاتتجاوز الـ 1% او اقل من ذلك بكثير.
ثامناً: حاجة السوق المحلية Domestic Market Obligation DMO
في غالبية الدول التي وقعت عقود مشاركة، كانت هناك حاجة لاستيراد النفط لسد حاجتها المحلية، لهذا نجد ان في الكثير من هذه العقود قامت الحكومة بفرض شرط اعطاء الاولوية للسوق المحلي للنفط المنتج. ان هذه الفقرة يتم وضعها في العقد بشروط مختلفة تـُذكر فيها الكميات والاسعار المفترض الالتزام بها.
تفترض بعض العقود نسبة معينة من الانتاج للسوق المحلي، بينما في عقود اخرى تعطى الحكومة الحق في اية كمية من الانتاج، وقد تصل الى 100% منه، (أي عمليا 100% من نفط الربح)، اذا كانت له حاجة للسوق المحلي. اما بالنسبة للسعر، فاعتياديا هناك حسومات كبيرة على السعر، ولكميات تحدد في العقد، مما قد يعرض المقاول الى خسارة، والتي تعوض في بنود اخرى من العقد.
أ) بعض النتائج الاقتصادية لعقود المشارة
لقد ذكرنا سابقا ان اصح طريقة لمعرفة اقتصاديات هذه العقود هي اعتماد نتائج المعدل الداخلي للمردود IRR ، وادناه نحاول ان نعطي صورة لعلاقة IRR بالمؤشرات المالية الاخرى التي ذكرناها مثل الاسعار ونفط الربح والريع والضرائب وغيرها، كما سنركز على العراق فيما لو استخدمت عقود المشاركة.
لقد ذكرنا سابقا ان المشاريع النفطية (وغيرها) تحدد ربحيتها بنسبة IRR الناتجة، وان مشاريع التحري وانتاج النفط بموجب عقود المشاركة تعتبر IRR (12%) بانها نسبة مقبولة. أي كلما ازداد الرقم عن (12%) كلما كانت الربحية اكبر للمقاول والحكومة، وان الـ (12%) تعتبر النسبة الحرجة التي فيها وبعدها يعتبر المشروع مربحاً.
اولاً: تأثيرات البنود المالية على الـ IRR
ان الدراسة التي تمت في نهاية القرن الماضي حول (268) عقد مشاركة والتي اشرنا اليها سابقا في الفقرة (1)، استنتجت في تلك الظروف حيث الاسعار متدنية، مايلي
- ان اكبر المؤشرات تأثيرا على الـ IRR هو السعر، فاذا ازداد السعر (5) دولار/البرميل (مع بقاء جميع العوامل الاخرى ثابتة)، فان IRRيتضاعف تقريبا ونفس الشيء يحدث بالنسبة لصافي القيمة الحالية Net Present Value NPV . وان المشاريع التي كانت شبه خاسرة، قد تبدل وضعها الاقتصادي عندما ازدادت الاسعار من (10) الى (15) دولار/ البرميل.
نلاحظ في احد عقود المشاركة النموذجية، ان زيادة السعر من (10) الى (15) الى (20) دولار للبرميل، زاد الـ IRR من (25%) الى (42%) الى (57%). وفي عقد آخر ولكن لم يكن ذو ربحية عالية فان زيادة السعر من (10) الى (15) الى (20) دولار/البرميل ادى الى ارتفاع IRR من (11%) الى (29%) الى (49%).
- نلاحظ ايضا ، وكمثال في هذه العقود، ان زيادة الريع من 5% الى 15%، فان IRR انخفض من 40% الى 34%، أي ان زيادة الريع له تأثير ولكن ليس بكبير جدا.
كما لوحظ، وكمثال، ان زيادة الضريبة على نفط الربح للمقاول من 15% الى 25%، انخفض الـ IRR من 37% الى 33
ثانيا: مؤشر المعدل الداخلي للمردود IRR في عقود المشاركة العراقية
لقد اعتمدت دراسة "نهب ثروة العراق النفطية" المشار اليها في (1) اعلاه على افتراض استخدام عقود مشاركة لـ(12) حقل نفطي عراقي مكتشف، التي تم ذكرها سابقا، واحتساب الـ IRR لها، والارباح الناجمة مقارنة فيما لو نفذت من قبل الجانب العراقي مباشرة او من خلال عقود خدمة باعتبارها صناعة مؤممة. اعتمدت الدراسة افتراض احسن عقود المشاركة (من ناحية الدولة) لمشاريع وحالات مشابهة في ليبيا وعمان وروسيا، واعتبر حقل العمارة نموذج لحقل صغير، وحقل الناصرية نموذج لحقل متوسط، وحقل مجنون نموذج لحق كبير. وافترضت ثلاثة اسعار للنفط (30) و (40) و (50) دولار/البرميل. ان الارقام العالية للـ IRR تمثل حقل مجنون، والارقام الواطئة للـ IRR تمثل حقل العمارة.
ولو كانت الدراسة قد اخذت (60) دولار/ البرميل لوصل الى IRR تتجاوز الـ 52% بالحد الادنى وتتجاوز الـ 190% بالحد الاعلى.
نلاحظ ان الـ IRR في اسعار الـ (50) دولار/ البرميل وفي ادنى مستوياته يصل الى 48% (أي اربعة مرات الـ 12% المقبولة في الصناعة النفطية)، اما بالنسبة لحقل مجنون وفي نفس هذه الاسعار فيصل الى 178% (أي يصل 15 مرة للنسبة المقبولة في الصناعة النفطية).
انني استغرب ان يقول احد الخبراء الاقتصاديين العراقيين في احد محطات التلفزيون العربية مؤخراً، مدافعا عن عقود المشاركة، ان IRR لحقل مجنون لا يتجاوز الـ 18% !!!، واعتقد يقصد العقد الذي تم توقيعه في حينه مع فرنسا.
كما وانني استغرب ايضا من قول احد المسؤولين عن وضع مسودة القانون، مجيبا على سؤال "كيف نقبل ان نضع حقل مثل مجنون ضمن عقود المشاركة؟"، اجاب يقول: "ومن يقول ان حقل مجنون سيتم وضعه ضمن عقود المشاركة؟". ان القانون الذي يراد تمشيته يضع هذا الاحتمال. وان الضغوط الاجنبية وظروف الحكومة التي تجعلها ضعيفة، والظروف العامة في العراق تجعل هذا الاحتمال وارد لمجنون او حقول كبيرة اخرى غيره، والبرهان على ذلك تصريح وزير نفط اقليم كردستان في 26/4/2007 اذ جعل حقل مجنون ضمن عقود المشاركة بالانتاج، والامّر من ذلك انه اقترح ان تكون لشركة النفط الوطنية مشاركة فيه قدرها 25% فقط، وكما سنتطرق اليه لاحقا. لهذا كان الاجدر ان يتم الجواب من قبل المسؤول "اننا سنعمل على تعديل المسودة لتثبيت ان عقود المشاركة سوف لاتنفذ على حقول الملاحق 1، 2، 3 من مسودة العقد، وان هذه الحقول ستنفذ بالطريقة المباشرة او من خلال عقود خدمة!!". اذ كما نلاحظ ان في حقل العمارة الصغير، يتجاوز الـ IRR الاربعة امثال النسبة المقبولة في الصناعة النفطية، لذا حتى الحقول الصغيرة يجب ان لاتنفذ بعقود المشاركة.
تستمر هذه الدراسة لاحتساب خسارة العراق المالية في حال تنفيذ الـ (12) حقل ضمن عقود المشاركة، بدلا من التنفيذ المباشر او من خلال عقود الخدمة، وهذه الارقام هي من الناحية العملية ارباح الشركات بسبب توقيع عقود المشاركة. نجد ان الحد الادنى من خسارة الحكومة هو لو تم السير وفق النموذج الليبي الاخير والذي يعتبر حاليا اكثر نماذج عقود المشاركة صرامة. اما الحد الاعلى من الخسارة وهو عندما يتم توقيع العقود وفق النموذج الروسي.
يتبع